محمد بن علي الشوكاني

592

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

على أني لا أثبت كفر التأويل كما حققته في غير هذا الموطن ، وفي هذه الإشارة كفاية لمن له هداية . وفي ذنوبنا التي قد أثقلت ظهورنا لقلوبنا أعظم شغلة وطوبى لمن شغلته عيوبه . ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، فالراحلة التي قد حملت ما لا « 1 » تكاد تنوء به إذا وضع عليها زيادة عليه انقطع ظهرها وقعدت على الطريق قبل وصول المنزل ، وبلا شك أن التوثّب على ثلب أعراض المشكوك في إسلامهم فضلا عن المقطوع بإسلامهم جرأة غير محمودة ، فربما كذب الظنّ وبطل الحديث ، وتقشّعت سحائب الشكوك وتجلّت ظلمات الظنون ، وطاحت الدقائق وحقّت الحقائق ، وإن يوما يفرّ المرء من أبيه ويشحّ بما معه من الحسنات على أحبابه وذويه لحقيق بأن يحافظ فيه على الحسنات ولا يدعها يوم القيامة نهبا بين قوم قد صاروا تحت أطباق الثرى قبل أن يخرج إلى هذا العالم بدهور ، وهو غير محمود على ذلك ولا مأجور ، فهذا ما لا يفعله بنفسه العاقل . وأشدّ من ذلك أن ينثر جراب طاعاته وينثل كنانة حسناته على أعدائه غير مشكور بل مقهور ، وهكذا يفعل عند [ الحضور ] « 2 » للحساب بين يدي الجبار بالمغتابين والنمّامين والهمّازين اللمّازين فإنه قد علم بالضرورة الدينية أن مظلمة العرض كمظلمة المال والدم ، ومجرّد التفاوت في مقدار المظلمة لا يوجب عدم إنصاف ذلك الشيء المتفاوت أو بعضه بكونه مظلمة ، فكلّ واحدة من هذه الثلاث مظلمة لآدمي ، وكلّ مظلمة لآدميّ لا تسقط إلا بعفوه ، وما لم يعف عنه باق على فاعله يوافي عرصات القيامة . فقل لي كيف يرجو من ظلم ميتا بثلب عرضه أن يعفو عنه ؟ ومن ذاك الذي يعفو في هذا الموقف وهو أحوج ما كان إلى ما يقيه عن النار وإذا التبس عليك هذا فانظر ما تجده من الطّباع البشرية في هذه الدار ، فإنه لو ألقي الواحد من هذا

--> ( 1 ) كأن الأصل بحذف لا النافية . ( 2 ) في [ ب ] الجثو .